نخبة من الأكاديميين

61

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

أولاهما ؛ أن الصورة التي ترسمها المصادر التاريخية ، التي تركز جُلَّ اهتمامها على الصدام العسكري بين الحضارة الإسلامية العربية والحضارة البيزنطية المسيحية لم تكن دقيقة في كل الأحوال ؛ إذ كان هناك نوع من التعايش السلمي المشترك إلى حد ما ، وكان هناك قدر من التفاعل والاعتماد المشترك بعيداً عن دوائر الحكم . وثانيتهما ؛ أن صورة الرومي ، أو البيزنطي ، في التراث الإسلامي العربي كانت أفضل كثيرًا من صورة الفرنجي ، أو الأوروبي الغريي . ويمكن تفسير ذلك في ضوء ما نعرفه عن كون الغرب الأوروبي في تلك الفترة في مثابة « منطقة سوداء مجهولة » ، من الناحية المعرفية بالنسبة للمسلمين بسبب الفوضى الناجمة عن الغزوات الجرمانية التي استغرقت الفترة الواقعة ما بين القرن الخامس والقرن السابع أي قبل ظهور الإسلام ، وهي التي تسببت في تمزيق أوروبا في ظل انهيار السلطة السياسية المركزية منذ سقوط روما سنة 476 م . وكذلك كانت الحروب الإقطاعية التي مزقت أوروبا حتى القرن الحادي عشر بالأقل . لقد كانت أوروبا الغربية والشمالية بالنسبة إلى العرب والمسلمين مناطق غير جديرة بالاهتمام ؛ فقد مزقتها الحروب الإقطاعية ، وكانت مجتمعًا متخلفًا متعصبًا ضد « الآخر » ، سواء كان ذلك « الآخر » متمثلًا في المسيحية الأرثوذكسية ( التي اعتبرتها الكنيسة الكاثوليكية كنيسة مهرطقة خارجة عن الإيمان القويم ، وقد بلغت ذروة العداء قمتها في ذلك الانشقاق الكبير بين الكنيستين الذي حدث سنة 1054 م ) ، أو في الشعوب الأوروبية التي كانت ما تزال على وثنيتها في شمال أوروبا ووسط أوروبا ، ولم يشعر المسلمون بالحاجة إلى معرفة « الفرنجي » ولم يعرفوه فعلًا على نطاق واسع سوى من خلال الحركة الصليبية التي بدأت منذ أواخر القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي حسبما سنوضح في ما بعد . هكذا ، كان هناك تصور غامض لدى كل من المسلمين والمسيحيين الأوروبيين عن الآخر ، وكان هناك إحساس متبادل بالبعد المادي والمعنوي ، جغرافيًا وثقافيًا ، لدى كل من الجانبين في القرون الثلاثة الأولى بعد ظهور الإسلام . وكانت الأحداث العسكرية تفرض نفسها على الصورة العامة ، ولكن الحقيقة لم تكن مطابقة لتلك الصورة . إن هذه المرحلة التي يطلق عليها البعض مرحلة « الجهل » بالآخر لا تنطبق سوى على العلاقة بين العالم الإسلامي وأوروبا الغربية الكاثوليكية ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنسحب على العلاقة بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي الشرقي البيزنطي ، كما لا يمكن أن تنسحب على دول عالم البحر المتوسط المسيحية التي عرفت المسلمين وخبرتهم عن قرب .